الخميس , 19 أكتوبر 2017
عاجل
الرئيسية / عاجل / خطبة بعنوان : “الحفاظ على المال العام واجب ديني ووطني”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 9 من شعبان 1438هـ، الموافق 5 مايو 2017م
خطبة بعنوان : “الحفاظ على المال العام واجب ديني ووطني”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 9 من شعبان 1438هـ، الموافق 5 مايو 2017م

خطبة بعنوان : “الحفاظ على المال العام واجب ديني ووطني”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 9 من شعبان 1438هـ، الموافق 5 مايو 2017م

26112 عدد الزيارات

خطبة بعنوان : “الحفاظ على المال العام واجب ديني ووطني“، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 9 من شعبان 1438هـ، الموافق 5 مايو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 

العناصر :

1-نظرة الإسلام إلي المال .

2-العبث بالمال العام فساد كبير.

3-الحفاظ علي المال العام واجب وطني .

4- الاحترازات والتدابير التي شرعها الإسلام للحفاظ علي المال .

5-أنواع الفساد وعالج الإسلام لها .

أ- فساد مالي .

ب- فساد إداري.

فساد أخلاقي .

الحمد لله رب العالمين الغني الحميد ، الواسع الكرم ذي الخير المديد ، يسأله من في السماوات والأرض وقد تكفل بشؤون العبيد ، فسبحانه من إله كريم ، وسع كل شيء رحمة وعلماً ، وتبارك من أولى عباده عفواً ومغفرة وحلماً. ًوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، في جميع النعوت والصفات ،وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل وخير المخلوقات ،اللهم صل وسلم ، وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والكرامات .

 أما بعد فيقول الله تعالي :”ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ “( الروم/ 41) .

أخوة الإيمان والإسلام :حديثنا إليكم  اليوم عن أمر هام ألا وهو:” الحفاظ على المال العام واجب ديني ووطني“.

نظرة الإسلام إلي المال:

عباد الله:  في حقيقة الأمرإن الإسلام نظر إلي المال عامة سواءً كان خاص أو عام وسواء كان مال يتيم أو أرملة أو مسكين..نظرة ثاقبة وشاملة فوجدنا أن القرآن الكريم تارة قرن المال بالأولاد وجعلهم زينة الحياة الدنيا قال تعالي :” الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا “(الكهف/46).

وتارة ينظر الإسلام للمال على أنه قوام الحياة، به تنتظم معايش الناس، ويتبادلون على أساسه تجاراتهم ومنتجاتهم، ويقوّمون على أساسه ما يحتاجون إليه من أعمال ومنافع. وينظر الإسلام للمال على أن حبه والرغبة في اقتنائه دافع من الدوافع الفطرية التي تولد مع الإنسان وتنمو معه”وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا”(الفجر/20)، وقال – جل شأنه :” وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ “(العاديات: 8). وتارة يسلب الإسلام من الإنسان ملكية المال حفاظاً عليه من الشرور فالمال في حقيقة أمره ليس ملكاً خالصاً لمالكه، وإنما هو ملك لله، قال – تعالى -: “وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ “(النور/33).ويد المالك يد وديعة، استودعها الله إياه، قال تعالى :”وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ “(الحديد/7(. وعلى الإنسان أن يضعه مواضعه، وينفقه في الوجوه التي شرعها الله، فيأخذ منه ضروراته وحاجاته، ويوزع الفضل منه على من هم أحق به من الضعفاء والعجزة والمساكين.

وتارة ينظر إليه بأنه فتنة وإنفاق المال في وجوهه المشروعة نجاح في الاختبار، إذ إن المال المودع لدى المالك فتنة، قال تعالى:” وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ”(الأنفال/28). أي اختبار وامتحان.

وتارة ينظر إليه علي إنه  عذاب بل أشد أنواع العذاب يوم القيامة عذاب المال وسيحاسب الناس عن المال من أين وكيف اكتسبوه؟ وفيم أنفقوه؟قال تعالي :” يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ( التوبة/35).وقال تعالى:” ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ “(التكاثر: 8).روي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ : ” مَالُكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ ، أَمْ مَالُ مَوْلاكَ ؟ ” قَالَ : مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ” فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ ، مَالُكَ لَكَ ، وَلِلْوَارِثِ ، وَلِلثَّرَى ، فَلا تَكُنْ شَرَّ الثَّلاثَةِ (البيهقي). ويسأل الإنسان عن كل شيء سؤالاً واحداً ولكنه يسأل عن المال سؤالاً مركباً قال صلي الله عليه وسلم : “لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أن اكتسبه وفيما أنفقه،وعن علمه ماذا عمل فيه”( البزاروالطبراني والترمذي).

العبث بالمال العام فساد كبير:

عباد الله: إن الشعوب والأمم والدول لتعتز وتفتخر بمنجزاتها ومكتسباتها في مختلف جوانب الحياة، بل وتسعى جاهدة إلى تربية وتوجيه أبنائها للحفاظ عليها ورعايتها وتنميتها وتطويرها حتى يستمر عطاءها وتستفيد منها الأجيال بعد الأجيال..

فالمستشفيات والمدارس والجامعات والحدائق والملاعب والمصانع والمؤسسات والوزارات وحقول استخراج المعادن والثروات والجسور والشوارع والطرقات والكهرباء والمياه وغيرها ممتلكات ومكتسبات عامة ليست ملك لفرد بعينه ، بل هي ملك لجميع أفراد المجتمع فكان الحفاظ عليها مسئولية الجميع وهي من المال العام الذي ينبغي الحفاظ عليه ويعتبر الاعتداء عليه بأي وسيلة أو طريقة نوع من الإفساد في الأرض، قال تعالى :”وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ”(الأعراف/ ٨٥). وقال صلي الله عليه و سلم :”إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة”(البخاري(.

و الله تعالي يقول :”ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”(الروم/41).أي ظَهَرَ الفَسَادُ فِي العَالَمِ بالفِتَنِ والحُروبِ والاضْطِرابَات . . وذَلكَ بِسَببِ مَا اقتَرَفَهَ النَّاسُ منَ الظُّلمِ ، وانتِهَاكِ الحُرُمَاتِ ، والتَّنَكُّرِ لِلدِّينِ ، وَنِسيَانِ يومِ الحِسَابِ فانْطَلَقَت النُّفُوسُ مِنْ عِقَالِها ، وَعَاثَتْ فِي الأَرضِ فَسَاداً بِلاَ وَازعٍ وَلا رَقيبٍ منْ ضَميرٍ أَوْ وُجدَانٍ أو حَيَاءٍ أَو حِسَابٍ لدِينٍ ، فأَذَاقَهُم اللهُ جزاءَ بعضِ ما عَمِلُوا مِنَ المَعَاصِي والآثَامِ ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ ، وَيَكُفُّونَ عَنِ الضَّلالِ والغِوايةِ ، وَيَتَذَكَّرُونَ يومَ الحِسَابِ .

وفي حقيقة الأمر أن الفساد دمار للأفراد والمجتمعات والأمم وقد أشار الرسول صلي الله عليه وسلم إلي ذلك وضرب مثلاَ بأن الناس جميعاَ في سفينة واحدة فهي تسير عندما يتحقق العدل والطهر والنقاء والتمسك بمكارم الأخلاق ..ولكن عندما ينحرف طائفة في المجتمع وتعيث في الأرض فساداَ ولم يقم من يأخذ علي أيديهم ويمنعهم عن هذا الفساد وهذا الانحراف تغرق السفينة بالجميع وهذا ما يبينه رسول الله صلي الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها: عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلي  الله عليه وسلم قال:” مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا “.(البخاري).

الحفاظ علي المال العام :

أخوة الإيمان والإسلام :”ولما كان المال من أهم مقومات الحياة كما ذكرنا فقد أمر الإسلام بالمحافظة عليه وعدم تبديده واتخاذ جميع الاحترازات  والتدابير من أجل الحفاظ عليه فنهي عن أكله بالباطل قال  تعالى :”وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ”(البقرة/ 188). وقال أيضًا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”(النساء/29).

ولما كان  المال هو قِوام الحياة، وهو من أهمِّ أساليب تعمير الأرض؛ لتُعين الإنسان على عبادة الله – عزَّ وجلَّ – وقد أمَرَنا ربُّنا بالمحافظة على هذا المال وتنميته، وأساس ذلك قولُ الله تعالى:” وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا “(النساء/ 5).

فالمال العام حرمته كبيرة، وحمايته عظيمة بموجب الشرع الحنيف، وهو أشد في حرمته من المال الخاص لكثرة الحقوق المتعلقة به، وتعدد الذمم المالكة له، وقد أنزله عمر بن الخطاب منزلة مال اليتيم الذي تجب رعايته وتنميته وحرمة أخذه والتفريط فيه عندما قال: “إني أنزلتُ نفسي مِن مال الله منزلةَ اليتيم..”. والله تعالى- يقول: “إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرً”(النساء/10). ويقول – عليه الصلاة والسلام -: “إن الدنيا خضرة حلوة؛ فمن أخذها بحقها بورك له فيها، ورب متخوض في مال الله ومال رسوله ليس له إلا النار يوم القيامة”(صحيح).

الاحترازات والتدابير التي اتخذها الإسلام للحفاظ علي المال العام

أخوة الإسلام :إن ديننا الإسلامي وقف موقفاً حازماً ممن يحاول العبث أو المساس بالمال العام  فنجده بجوار ما وضعه من   قوانين وحدود إلهية ووسائل للحفاظ علي المال العام كقطع يد السارق والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل وأكل أموال اليتامى ظلماً وعدم التبذير ..الخ .

نجده أيضاً  وقف للفساد بكل أنواعه وأشكاله موقفاً حازماً حتي لا يمس المال العام بسوء.

أنواع الفساد :

يصنف الفساد في الأنواع التالية :

الفساد الإداري : إساءة استخدام السلطة العامة  لأهداف غير مشروعة كالرشوة، الابتزاز، المحسوبية، والاختلاس. .ومخالفة القواعد والأحكام المالية التي تنظم سير العمل الإداري والمالي في المؤسسة.

لذلك وقف الإسلام  من تنظيم هذا الأمر موقفاً عظيماً فأمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم.قال اللَّه تعالى: “وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ “(الشعراء/215). وقال تعالى:”إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ “(النحل/90).

وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال : سمِعتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول :”كُلُّكُم راعٍ ، وكُلُّكُمْ مسئول عنْ رعِيتِهِ : الإمامُ راعٍ ومسئول عَنْ رعِيَّتِهِ ، والرَّجُلُ رَاعٍ في أهلِهِ ومسئول عنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالمَرأَةُ راعيةٌ في بيتِ زَوجها ومسئولة عَنْ رعِيَّتِها ، والخَادِمُ رَاعٍ في مال سَيِّدِهِ ومسئول عَنْ رَعِيتِهِ ، وكُلُّكُم راع ومسئول عَنْ رعِيَّتِهِ “( متفقٌ عليه) .

 وعن أبي يَعْلى مَعْقِل بن يَسَارٍ رضي اللَّه عنه قال : سمعتُ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول : “ما مِن عبدٍ يسترعِيهِ اللَّه رعيَّةً ، يَمُوتُ يومَ يَموتُ وهُوَ غَاشٌ لِرَعِيَّتِهِ ، إلاَّ حَرَّمَ اللَّه علَيهِ الجَنَّةَ “(متفقٌ عليه).  .

وفي روايةٍ : “فَلَم يَحُطهَا بِنُصْحهِ لم يجِد رَائحَةَ الجَنَّة “.وفي روايةٍ لمسـلم :” ما مِن أَمِيرٍ يَلِي أُمورَ المُسلِمينَ ، ثُمَّ لا يَجهَدُ لَهُم ، ويَنْصحُ لهُم، إلاَّ لَم يَدخُل مَعَهُمُ الجَنَّةَ ” وعن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول في بيتي هذا : “اللهم من وَلي من أمر أُمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن وَلِيَ من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به “( مسلم ).وعن أبي مريمَ الأَزدِيِّ رضي اللَّه عنه ، أَنه قَالَ لمعَاوِيةَ رضي اللَّه عنه : سَمِعتُ رسولِ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقول :” من ولاَّهُ اللَّه شَيئاً مِن أُمورِ المُسلِمينَ فَاحَتجَبَ دُونَ حَاجتهِمِ وخَلَّتِهم وفَقرِهم ، احتَجَب اللَّه دُونَ حَاجَتِه وخَلَّتِهِ وفَقرِهِ يومَ القِيامةِ ” فَجعَل مُعَاوِيةُ رجُلا على حَوَائجِ الناسِ “. ( أبو داودَ ، والترمذي) .

إخوة الإسلام :والنوع الثاني من أنواع الفساد هو الفساد المالي :وهو ما يتعلق بكل أنواع الفساد في المعاملات سواء في العمل الحكومي أو الأهلي ..من الاختلاس والرشوة وبيع الذمة . فتنتشر الرشوة بكل مظاهرها سراً وجهراً بين أصحاب النفوس الضعيفة فتضيع الحقوق وتختل موازين العدل بين الناس، ولهذا فسدت ضمائر كثير من الموظفين، فتجد المظلوم يصبح ظالماً وصاحب الحق يصبح معتديا وباذل الرشوة يصبح صادقا محقا ناهيك عن اختلاس الأموال العامة بمجرد الحصول عليها بأي سبيل إذ لا رادع يردعه عن ذلك. أما الفساد المالي، والسرقة ، وبيع الضمير، والمتاجرة بالأمانة، وغيرها فهي لا تحظى بنفس مستوى الرفض الذي يحظى به الفساد الأخلاقي؛ بل قد يُصنف الفساد المالي، والمتاجرة بالأمانات ، عند البعض ، على أنه ذكاء وفطنة وحسن تدبير ، وتجد المحتال يقبل على نفسه هذا النوع من الفساد ، لكنه يثور غضباً لو اتهمته بتهمة أخلاقية ..عن أبي هريرة عن النَّبيِّ صلي الله عليه وسلم قال: ” ليأتيَنَّ على الناس زمان لا يُبالي المرء بما أخذ المال، أمِنْ حلال أم من حرام”(البخاري).

وعند هؤلاء الآخذين غير المبالين أنَّ الحلال ما حلَّ في اليد، والحرام ما لم يصل إليها، وأما الحلال في الإسلام، فهو ما أحلَّه الله ورسوله صلي الله عليه وسلم ، والحرام ما حرَّمه الله ورسوله صلي الله عليه وسلم.

وقد ورد في سنَّة الرسول صلي الله عليه وسلم  أحاديث تدلُّ على منع العمَّال والموظفين من أخذ شيء من المال ولو سُمِّي هدية، منها حديث أبي حميد الساعدي قال: ” استعمل رسول الله صلي الله عليه وسلم  رجلاً من الأسد، يُقال له: ابن اللتبيَّة على الصدقة، فلمَّا قدم قال: هذا لكم، وهذا لي أُهدي لي، قال: فقام رسول الله صلي الله عليه وسلم  على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: “ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أُهدِيَ لي؟! أفلاَ قعدَ في بيت أبيه أو في بيت أمِّه حتى ينظرَ أيُهدَى إليه أم لا؟! والذي نفسُ محمد بيده! لا ينال أحدٌ منكم منها شيئاً إلاَّ جاء به يوم القيامة يحمله على عُنُقه، بعير له رُغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعَر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتَي إبطيه، ثم قال: اللَّهمَّ هل بلَّغت؟ مرَّتين “( البخاري ومسلم ).

وعن  أبي حميد الساعدي أنَّ رسول الله صلي الله عليه وسلم  قال:” هدايا العمال غلول” ( أحمد).  وعن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله  يقول: “من استعملناه منكم على عمل فكَتَمَنا مخيطاً فما فوقه، كان غلولاً يأتي به يوم القيامة “( مسلم ).وعن بريدة عن النَّبيِّ صلي اله عليه وسلم قال: مَن استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول “( أبو داود ).وفي ترجمة عياض بن غنم من كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي (1/277) وكان أميراً لعمر على حمص أنَّه قال لبعض أقربائه في قصة طويلة: ” فو الله! لأن أُشقَّ بالمنشار أحبُّ إليَّ من أن أخون فلساً أو أتعدَّى! “.

إخوة الإيمان والنوع الثالث من أنواع الفساد

الفساد الأخلاقي: والمقصود به ارتكاب واحدة أو أكثر من جرائم الكذب والخيانة والتزوير والسرقة والقتل وانتهاك حقوق الناس وأعراضهم ، وتوجيه المجتمع باتجاه الفساد والانحلال الأخلاقي وغيره  وقد تمّ اختزال ” الفساد ” وحصره في علاقة الرجل المحرمة بالمرأة، وكل ما يقود ولو على سبيل الاحتمال البعيد إلى هذه العلاقة ، وتهميش أي معنى للفساد يخرج عن هذا المفهوم ..

وارتباط الفساد بالأخلاق :وكلمة ” فساد ” مرتبطة في الذهن أساساً بالفساد الأخلاقي وتعد ظاهرة الفساد ظاهرة قديمة في المجتمعات الإنسانية لا تقتصر على شعب دون غيره .. أو دولة دون أخرى .. أو ثقافة دون ثقافة ..وبالرغم من أن الأسباب الرئيسة لظهور الفساد وانتشاره متشابهة .. إلا أننا يمكننا ملاحظة التفاوت في تفسير ظاهرة الفساد وتقييمها من شعب لآخر، تبعاً لاختلاف الثقافات والقيم السائدة في كل مجتمع ..إن من أهم المبادئ السامية التي دعا إليها الإسلام وشدد عليها بقوة التحلي بمكارم الأخلاق التي تكسبه احترامه لنفسه و احترام ومحبة الآخرين له .

الإسلام يدعو إلى حسن الخلق:

وقد جاء الدين الإسلامي ليحافظ على هذا الخلق بمنهج يهدي إلى التي هي أقوم؛ لتصحيح العقائد.. وتهذيب النفوس، وتقويم أخلاقها، وإصلاح المجتمعات الإنسانية، وتنظيم علاقاتها، ونشر الخير والفضيلة بين البشر، ومحاربة الشر والرذيلة، وإعدام روح الفساد حتى لا يتمكن من التسلل إلى صفوفها؛ لذا فقد كانت الأخلاق الكريمة والفضائل والقيم السامية من أسمى ما دعا إليه الإسلام، وبعث من أجله الرسل والأنبياء ..قال تعالى يصف رسوله الكريم : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم” )القلم /4). وقال صلي الله عليه وسلم : “عليكم بمكارم الأخلاق” فإن الله عزَّ وجلّ بعثني بها”.وقال أيضاً: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”(الترمذي).. وهذا إن دلَّ على شي‏ء فإنما يدل على أن الأخلاق الكريمة هي الهدف الأسمى من الرسالات السماوية ..  

من المسئول عن الفساد الأخلاقي .. ؟

وأول مسئول عن الفساد الأخلاقي هي الأسرة: باعتبارها الحجر الأساس والدعامة القوية والمدرسة الأم التي يتلقى فيها الإنسان التربية الحسنة ويتعرف من خلالها على الجيد والسيئ والصالح والطالح والواجب والممنوع والمسموح والمرفوض ..وغير ذلك من الأمور، لكنها قد تصبح سبباً رئيسياً في ضياع هذا الإنسان عندما يغيب عنها الوازع الديني وتنعدم فيها شروط الإحساس بالمسؤولية والأمن والسلام داخل الأسرة والمجتمع ، باعتبار الأسرة مجتمع صغير يهيؤنا للتعامل والتعايش في المجتمع الكبير ..

 وأصدقاء السوء الذين يجرون الأصدقاء للرزيلة والأخلاق السيئة ..ولا ننس مشاهدة القنوات الفضائية الماجنة التي تنسي الإنسان تعاليم الدين الإسلامي.وتفقده احترامه وكرامته ، وتبعده عن طريق الحق والفضيلة ..

كما أن التشبه بالغرب في عاداتهم وفي طريقة عيشهم ولباسهم وكلامهم وتعاملهم وتصرفاتهم اللامشروطة ، باسم الحضارة والتقدم ، من الأخطاء الكبيرة جدا التي تفسد الأخلاق والمجتمعات وتفقدنا المصداقية وكرامة الانتماء ..

هده الأسباب وغيرها ، تساهم في تفشي الفساد الأخلاقي والرذيلة في المجتمع ويكون لها أثر كبير على الأفراد والجماعات .. كيف تريد لأمة أو شعب أن يتقدم وهو يعاني من الانحلال الأخلاقي وعدم استشعار أبنائه المسؤولية اتجاه أنفسهم ووطنهم .. !؟ إنه لمن المؤكد أن فساد الأخلاق يؤدي إلى شيوع الرشوة والغلول والفاحشة والزنا والظلم والسرقة والإجرام والابتزاز والتحايل الاقتصادي والسياسي بكل أنواعه .. الفساد الأخلاقي هو أساس فساد الحكم والإدارة في المجتمعات هو أساس كل المتناقضات في كل المجالات وهو أساس تفشي الفقر والمجاعة ..وقد ساهمت التكنولوجيا مساهمة كبيرة في تفشي الفساد الأخلاقي وآلياته ، وتطور سبله .. فالشبكة العنكبوتية أصبحت دارا للدعارة .. لا رقابة عليها .. حرية بشعة تنتهك حرمات البيوت دون إحساس بالذنب أو شعور بجسامة الخطأ والخطيئة ..

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين أما بعد :

فلازلنا نواصل الحديث حول تصدي الإسلام للفساد بكل أنواعه( الإداري والمالي والأخلاقي).حفاظاً علي المال العام .

**الفساد الأخلاقي وأثره على المجتمع

إخوة الإسلام :إن الفساد الأخلاقي الذي تشهده مجتمعاتنا ما هو إلا نتاج الفرد نفسه؛ ففساد المجتمع لا يتكون في لحظة واحدة ولكن يبدأ في فرد أو جماعة صغيرة وقد يكون السبب في ذلك الجهل أو الفهم الخاطئ للعادات والأعراف والقوانين المتبعة او للتحرر من قيود المجتمع وفرض السلطة. ونتيجة ذلك :” كما ينشأ عن فساد الأخلاق الاحتكارات المحرمة شرعاً والإثراء عن طريقها وكذا تهريب المخدرات للحصول على المال من جهة، ولإفساد حياة المسلمين من جهة أخرى، لأن فساد الأخلاق هو فساد الفضائل، قال شوقي:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت      فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

أخوة الإسلام :قد انتشرت ظواهر سيئة في جميع نواحي الحياة من غش وكذب وجشع لا حد له واستغلال القوي للضعيف، وماتت – أوفي طريقها – أخلاق وفضائل كانت عند الناس في قمة أولوياتهم، كفضيلة الكرم، والإيثار، والتواضع، والشهامة… وأخلاق كثيرة لم يعد لها وجود في أذهان كثير ممن مسخت فطرهم المذاهب الفكرية الضالة  ..  ولم يعد للرحمة مكان ..ولم يعد للعدل والإنصاف أي مكان يحط رحاله فيه – إلا القليل – وذهب حتى ذكر أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة – وجاء الجيل الذي لا يأكل الوالد في مطعم ولده أو الولد في مطعم أبيه إلا بدفع القيمة نتيجة حتمية لإعراضهم عن هدي الله عز وجل واتباعهم لأهواء الضالين وقراصنة المال الذين لا يتكلمون إلا في المال، ولا يضحكون إلا للمال ولا يعملون إلا للمال، ولا يعطون شيئا إلا ليأخذوا ما هو أثمن منه، وحق للضعفاء والفقراء أن ينشدوا مع الشاعر قوله:

ذهب الذين إذا رأوني مقبلا ً            هشوا إليّ ورحبوا بالمقبل

وبقيت في خلف كان حديثهم    ولغ الكلاب تهارشت في المنزل

أيها الناس :وجاء الجيل الذي يستحل المال العام ويأكل السحت تحت مسمي حقي من الدولة فيستحل سرقة المياه والكهرباء ويقوم بتبذيرها دون ترشيد نفقات واستهلاك فيقوم بإضاءة أفرع الكهرباء في العرس أو العزاء من أعمدة الإنارة ويضع أمام محله لافتات مضيئة من خارج العداد وهو يعلم أنه سارق للمال العام ولكنه يستحله في صورة أخري ..وبحجة أن الناس شركاء في “الماء والعشب والنار”ولا بد أن يُعلم أن سارق الماء والكهرباء يعتبر من آكلي أموال الناس بالباطل، ومن خائني الأمانات، وأن ذلك المال الذي لم يدفعه ثمنًا للماء والكهرباء ما هو إلا سحت، قال تعالى:”إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا”(النساء:58)، وقال:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”(النساء:29)،

 وقوله تعالى:”لوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ”(المائدة:63). قال أهل التفسير في قوله تعالى: “أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ”أي الحرام، وسمي المال الحرام سحتًا، لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها، (القرطبي 6/183).

أيها الناس: وخلاصة الأمر أنه يحرم شرعًا سرقة الماء والكهرباء، وأنه لا يصح الاعتماد على قول النبي صلي الله عليه وسلم :”المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار”(ابن ماجة بإسنادٍ صحيح).لأن المقصود بالحديث هو ما لم يُملك، والماء والكهرباء يجري عليهما المِلك، كما هو متعارف عليه، ولا يجوز الاحتجاج في هذا المقام بفعل بعض الناس الذين يسرقون، وقد صح في الأثر من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا” والعلاج هو العودة إلي منهج الله عز وجل وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم :” فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ  وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ”(الذاريات/50-51).

عباد الله :

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ..وقوموا إلي صلاتكم يرحمكم الله ..وأقم الصلاة .

 

شارك الخبر علي صفحات التواصل الإجتماعي
ads motabeq

عن admin