الخميس , 19 أبريل 2018
عاجل
الرئيسية / فن وثقافة / أدباء وشعراء / ” قصة كفاح من أعماق الريف “
” قصة كفاح من أعماق الريف “

” قصة كفاح من أعماق الريف “

72 عدد الزيارات

بقلم : محمد عبد الرحيم

بطل قصتنا يبلغ من العمر 65 عاماً يستمتع الآن بحياته بعد سن التقاعد وسط أولاده وأحفاده ناقلاً لهم خبراته وتجاربه في الحياة 
وإننا نسرد هذه القصة لتكون سراج منير وبارقة أمل لكل إنسان تواجهه صعوبات وعراقيل وإخفاقات وإنه يستطيع تجاوزها طالما لديه العزيمة والإرادة والطموح ولديه قلب ينبض بالحياة .
وإليكم القصة :

منذ نعومة أظافره تحمل الفتى الصغير ذو البشرة السمراء في إحدى قرى ريف مصر المسؤولية الملقاة على عاتقه نحو أسرته وأرضه بعد وفاة أبيه ٠

كان الفتى يغدو إلى مدرسته في الصباح الباكر لينهل من ينابيع العلم والمعرفة وبعد الظهيرة يهرول لأرضه لمساعدة أمه وأخته الكبرى في رعاية الأرض وأعمال الفلاحة ٠

والعودة للبيت عند غروب الشمس لأداء واجباته المدرسية حتى يتسلل النوم إلى جفونه فيغلبه النعاس والكتاب بين يديه ٠
فلم يعرف الفتى يوماً معنى اللعب مع أقرانه من الفتيان لتحمله المسؤلية مبكراً ٠

وذات يوما حدثت للفتى واقعة كادت تعصف بمستقبله و أحلامه وآماله وطموحاته حيث أرادت أم الفتى أن يتوقف عن إكمال دراسته والاكتفاء بما ناله من القراءة والكتابة وذلك لضيق ذات اليد واشفاقاً على ابنها لما يبذله من جهد ما بين الدراسة ورعاية الأرض والقيام بمتطلبات الأسرة ٠ 
ولما طال غيابه عن المدرسة و علم مدير المدرسة بالأمر توسط لدى امه بألا تحرمه من مواصلة تعليمه خاصة أن الفتى مشهود له بالخلق والذكاء والفراسة وحبه للعلم بين أهالي القرية ٠
فوافقت الأم بعد أن وعدها مدير المدرسة بأن يساعدها ويساهم معها في نفقات تعليمه ٠
واستطاع الفتى الحصول على الشهادة الابتدائية بتفوق وكان ترتيبه الثاني على المدرسة ٠

وزادت المسؤولية على كاهل الفتى خاصة بعد زواج اخته الكبرى التي كانت بمثابة الوتد الذي يتكأ عليه ويشد من أزره ٠
وظل الفتى بين طلبه للعلم ورعاية الأسرة وأرضه حتى استطاع الحصول على الشهادة الإعدادية بتفوق ، ورغم ذلك فضل الإلتحاق بالتعليم الفني لضيق ذات اليد وصعوبة المعيشة ٠

فكان ينظر إلى المستقبل بنظرة ثاقبة ومختلفة فهو يخطط للحصول على دبلوم فني يستطيع من خلاله العمل بإحدى الشركات الكثيرة التي أنشأها الرئيس عبد الناصر كي يستطيع الحصول على دخل ومرتب ثابت كل شهر يعينه على تكاليف الحياة و إستكمال دراسته ومساعدة أسرته ٠

وقد تحقق له ما أراد حيث حصل على دبلوم فني وجاء تعينه في شركة صناعية مصرية بالمنطقة الصناعية بحلوان كفني بالورش الملحقة بالشركة ٠واستأجر شقة صغيرة بإحدى ضواحي حلوان وعاش بها بمفرده لفترة طويلة ٠
فهذه كانت أول مرة يخوض فيها هذه التجربة ويغادر قريته الصغيرة التي تتسم بالهدوء وشوارعها الضيقة ولم يغب عن ذاكرته ومخيلته الحقول الخضراء المترامية الأطراف ونعير السواقي وأبراج الحمام و البيوت المبنية من الطين وأشجار التوت المنتشرة هنا وهناك والتي كان يستظل بها لإلتقاط أنفاسه أثناء عمله في الأرض .
وانتقل الفتى إلى القاهرة العاصمة التي لا تنام حيث الضجيج والصخب والزحام والمباني الشاهقة عالم جديد لم يعتاده ولم يألفه من قبل ولكنه استطاع بعزيمته الجبارة أن يتكيف مع هذا الوضع الجديد

وأثناء ذلك جاءه نداء الواجب لأداء الخدمة العسكرية فظل بها أربع سنوات شارك خلالها في حرب السادس من أكتوبر المجيدة حيث كانت خدمته في صيانة السفن البحرية ٠
واستطاع الفتى بالإرادة والعزيمة الفولاذية من إستكمال دراسته للثانوية العامة ورغم كل ما لاقاه من شتى أنواع السخرية والاستهزاء من زملاءه في إنه كيف سيتمكن من التوفيق بين دراسته وأداءه لخدمته العسكرية ولكن ذلك لم يضعف من همته وعزيمته بل زاده ذلك إصرار وتحدي ٠

وبالفعل حصل على شهادة الثانوية العامة وتم ترشيحه لكلية التجارة جامعة القاهرة ومع نهاية خدمته العسكرية عاد ادراجه للشركة ٠فكان في الصباح طالباً بالجامعة وفي المساء فني بورش الشركة ٠ ولم يتعالى أو يتكبر يوماً على زملاءه بسبب تعليمه الجامعي بل زاده ذلك تواضعا ودثامة في الخلق ٠

وزادت الأعباء والتكاليف والمشوار مازال طويلاً ولكنه لم ييأس فكان منهجه في الحياة بيت شعر يحفظه عن ظهر قلب لأمير الشعراء أحمد شوقي كان بالنسبة له الشعاع الذي ينير له الطريق والصديق الذي يهون عليه الصعاب

والدافع نحو الوصول للهدف المنشود وهو : 
“وما نيل المطالب بالتمني * ولكن تؤخذ الدنيا غلابا “

وبعد حصوله على بكالوريوس التجارة قسم إدارة الأعمال تم نقله من الورش إلى الادارة العامة للشركة وتقلد مناصب إدارية عديدة وكان يثبت جدارته واخلاصه وتفانيه في اي عمل يسند اليه حتى أطلق عليه رؤساءه في الشركة ” رجل الإنقاذ والمهام الصعبة “

وتزوج الفتى واثمر الزواج عن ابنة أصبحت طبيبة في احدى المستشفيات الحكومية وابن صار مهندس في نفس الشركة التي يعمل بها والده . فربما يعيد التاريخ نفسه ويحقق الابن أمجاد أبيه ٠
ولما لا فقد دخل الأب الشركة كفني في الورش وخرج منها رئيس للقطاع التجاري بدرجة وكيل وزارة ٠

فما أروع النجاح والوصول إلى الهدف المنشود و القمة بعد حياة حافلة بالكفاح والتحديات والإنجازات وقهر المستحيل ٠

وكما قال الفليسوف الاسكتلندي توماس كارلايل :

” إنسان بلا هدف كسفينة دون دفة وكلاهما سوف ينتهي به الأمر على الصخور “

شارك الخبر علي صفحات التواصل الإجتماعي
ads motabeq

عن Mohmed Abd Elrhm