الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
عاجل
الرئيسية / دنيا ودين / خطبة الجمعة القادمة / خطبة الجمعة القادمة: الاقتداء والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم  ، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 29 ربيع الأول 1440هـ الموافق 7 ديسمبر 2018م
خطبة الجمعة القادمة: الاقتداء والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم  ، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 29 ربيع الأول 1440هـ الموافق 7 ديسمبر 2018م
الدكتور خالد بدير

خطبة الجمعة القادمة: الاقتداء والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم  ، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 29 ربيع الأول 1440هـ الموافق 7 ديسمبر 2018م

618 عدد الزيارات

 

خطبة الجمعة القادمة: الاقتداء والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم  ، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 29 ربيع الأول 1440هـ الموافق 7 ديسمبر 2018م.

 

 

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة

العنصر الثاني : صور مشرقة من تأسي الصحابة بالرسول صلى الله عليه وسلم

العنصر الثالث: وجوب التأسي والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة

عباد الله : إن القدوة والأسوة في الدعوة والعبادة والأخلاق والتربية هي أفعل الوسائل جميعًا، وأقربها إلى النجاح، وإن مبادئ الإسلام تحظى بالقبول حينما يمتثلها الداعي قبل المدعويين، وقد كان صلى الله عليه وسلم صورةً حيةً لتعاليم الإسلام السامية في كل شيء، رأَى الناس فيه الإسلام رأْيَ العين، فهو أعظم قدوة وأسوة في تاريخ البشرية كلها، ولقد تحركت نفوس الناس بقدر وسعها نحو التطبيق والعمل، يقتبسون من نوره ويتعلمون من آدابه. يقول الإمام ابن حزم: “من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسنِ الأخلاق كلها، واستحقاقَ الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد صلى الله عليه وسلم، وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه “. ( الأخلاق والسير ).

فهو صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة والمعلم والمربي الحكيم، وهو إمام الدعاة الذي أمر الله ربنا أن نقتدي به في عبادتنا ودعوتنا وأخلاقنا وسلوكياتنا ومعاملاتنا وفي جميع أمور حياتنا، قال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }. [يوسف: 108].

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرَ قدوة للأمة في تطبيق هذا الدين، فجمع بين القول والعمل، وربط النظرية بالتطبيق، وقدم المعاني حقائق حية، فاهتُدي بعمله قبل قوله، وبفعله قبل علمه، وكان أمام أصحابه تجسيداً حياً لدعوته، ومَثلاً صريحاً لمبادئه.

سيرته صفحة مكشوفة يعرفها محبوه وشانئوه، ولقد نقل لنا الرواة دقيق وصف بدنه، وقسمات وجهه، وصفة شعره، وكم شيبة في رأسه ولحيته، وطريقة حديثه، وحركة يده، كما نقلوا تفصيل شأنه في مأكله، ومشربه، ومركبه، وسفره، وإقامته، وعبادته، ورضاه، وغضبه، حتى دخلوا في ذكر حاله مع أزواجه أمهات المؤمنين في المعاشرة، والغسل، والقسم، والنفقة، والمداعبة، والمغاضبة، والجد، والمزاح، وفصلوا في خصوصيات الحياة وضروراتها. كلهم يجدون في سيرته الهداية التامة على تنوع أحوالهم وتفاوت طرائقهم، والفرد الواحد لا يخرج عن محل القدوة به صلى الله عليه وسلم مهما تقلبت به الحال، ومهما ركب من الأطوار؛ فهو القدوة والأسوة في ذلك كله.

ومن أبرز الأمثلة على القدوة في شخص رسولنا- صلى الله عليه وسلم- ما كان عليه من أخلاق قبل البعثة، حيث كان يعرف قبل الرسالة بالصادق الأمين، وما جرَّب قومه عليه كذبًا قط، ولقد شهدت له زوجه عائشة رضي الله عنها؛ وهي ألصق الناس به، وأكثرهم وقوفًا على أفعاله في بيته، بأنه صلى الله عليه وسلم: “كان خلقه القرآن”، ( مسلم ). يقول الإمام الشاطبى: “وإنما كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن لأنه حكَّم الوحي على نفسه حتى صار في عمله وعلمه على وفقه، فكان للوحي موافقًا قائلاً مذعنًا ملبيًا واقفًا عند حكمه”. فكان صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض. ولقد شهد الله سبحانه وتعالى له بالأخلاق العظيمة في كل الأمور في حياته صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم: 4)، من أجل ذلك ارتضاه الله سبحانه وتعالى للبشرية كلها بأنه القدوة الحسنة، والأسوة الطيبة في كل ما يصدر عنه من أقوالٍ وأفعال. وهذه الخاصة كانت من أعظم الأدلة على صدقه فيما جاء به، إذ قد جاهر بالأمر وهو مؤتمر، وبالنهي وهو منتهٍ، وبالوعظ وهو متَّعظ، وبالتخويف وهو أول الخائفين، وبالترجية وهو سائق دابة الراجين، وحقيقة ذلك كله جعلُهُ الشريعةَ المنزلة عليه حجةً حاكمة عليه، ودلالة له على الصراط المستقيم الذى سار عليه صلى الله عليه وسلم.

 لقد كان نبي الرحمة محمد – صلى الله عليه وسلم – أسوة في أقواله وأفعاله، فإذا أَمَر بخير كان أسرع الناس إلى تنفيذه، وإذا أبلغ شيئًا من الوحي كان أول من يلتزم به، فكان أشدَّ الناس زهدًا وورعًا، وعبادة تقوى، وأعظمهم شجاعة وشهامة ومروءة وكرمًا، وأكبرهم تضحية وبذلاً وفداءً، وأكثرهم صبرًا وحلمًا وعفوًا، ولنا القدوة والأسوة فيه – صلى الله عليه وسلم – {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا } (الأحزاب: 21).

 وهذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر الله تبارك وتعالى الناس بالتأسي به صلى الله عليه وسلم؛ فكان إذا أمرَ بشيءٍ أو نادى به فعله أولاً قبل الناس، ليتأسوا به ويعملوا كما عمل، وفي السيرة النبوية شواهد على ذلك كثيرة، منها:

أنه لما تم صلح الحديبية بين المسلمين؛ وقريش ونصوا في بنودها أن يرجع المسلمون هذا العام بلا أداء العمرة ويعودوا في العام القادم، أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه أن ينحروا الهدي ويتحللوا من إحرامهم فقال: “قوموا فانحروا ثم احلقوا” ؛ فتكاسل الصحابة حيث إن الشروط كانت جائرةً على المسلمين، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على السيدة أم سلمة مغضبًا، وأخبرها بتخلف الناس عن أمره، فأشارت عليه صلى الله عليه وسلم بأن يُسرع في التنفيذ أمامهم، فقام صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه، ونحر هديه، وتسابق الصحابة في التطبيق حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا من شدة الزحام !!

ومن أبرز الأمثلة في السيرة النبوية الشريفة أيضًا على كونه- صلى الله عليه وسلم- كان يبدأ بنفسه قبل الناس ليقتدي الناس به، موقفه في بناء المسجد؛ حيث كان يشارك الصحابة في الحفر ونقل التراب، ورفع البناء، وكانوا يرتكزون أثناء عملهم بقولهم:

لئن قعدنا والرسول يعملُ……………… لذاك منا العمل المضللُ

وشاركهم صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق حول المدينة، عندما سمع بقدوم الأحزاب لاستئصال شأفة المسلمين في المدينة، وكان له قسم مثلهم يباشر الحفر معهم بيده، ويحمل التراب على كتفه، وإذا استعصت عليهم مشكلة سارعوا إليه يلتمسون منه حلاًّ لها بمعوله، فكان هذا كله دافعًا للصحابة على العمل، ومقويًّا لهممهم وعزائمهم، فلم يكسلوا أو يتوانوا؛ حيث يرون قائدهم ورسولهم معهم في خندقٍ واحد، يعمل كما يعملون، ويأكل مما يأكلون، وينام على مثل ما ينامون، وما زادهم ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا.

وهكذا كان صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة للصحابة الكرام ؛ بل للأمة جمعاء ؛ في أخلاقه وتعاملاته مع المسلمين وغير المسلمين؛ وفي بيعه وشرائه؛ وفي عبادته لربه ؛ وفي حياته كلها ؛ وهذا ما سنعرفه في عنصرنا التالي إن شاء الله تعالى !!

العنصر الثاني : صور مشرقة من تأسي الصحابة بالرسول صلى الله عليه وسلم

أيها المسلمون: تعالوا بنا في عنصرنا هذا لنعرض صوراً مشرقة لاقتداء وتأسي الصحابة بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء. 

فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم صحابته إلى أن يقتدوا به في أقواله وأفعاله، ولا سيما في العبادات، فلم يُعِدّ مجلسا لشرح أركان الصلاة وسننها ومبطلاتها كما نفعل الآن، وإنما قال: ” صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي ” ( البخاري)، وفي الحج قال”خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ” ( مسلم والنسائي). ولما علم الرسول شدة اقتداء الصحابة به صلى الله عليه وسلم وخاصة في مناسك الحج خشي عليهم الازدحام والتقاتل في أداء المناسك فرفع عنهم الحرج؛ فعن جابر، قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم- :” قد نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، ووقف بعرفة، فقال: قد وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف، ووقف بالمزدلفة، فقال: قد وقفت هاهنا، والمزدلفة كلها موقف” ( أبوداود ).

 تصورت هذا المشهد من ازدحام الناس عند جبل الرحمة في أرض عرفات وقلت: لو قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقفت ها هنا وهذا هو الموقف!! ونحرت ها هنا وهذا هو المنحر!! لتقاتل الناس وهلك الكثير ؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم كان رحيماً بأمته.

ولذلك كان عمر – رضي الله عنه- يقبل الحجر الأسود ويقول: والله إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ؛ ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك !! ( متفق عليه ).

وفي الصيام اتبعوه- صلى الله عليه وسلم- واقتدوا به في الوصال؛ فنهاهم رحمة ورأفة بهم وشفقة عليهم؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ” نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟! إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ؛ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ؛ فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ ؛ كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا ” ( البخاري ).

ولشدة اقتداء الصحابة به -صلى الله عليه وسلم- اتبعوه في خلع نعله أثناء الصلاة، مع أن هذا الأمر خاص به– لعارض- دون غيره.

فقد أخرج أبو داود والحاكم والببهقي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِذْ وَضَعَ نَعْلَيْهِ عَلَى يَسَارِهِ فَأَلْقَى النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ ، قَالَ: ” مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ ؟ “، قَالُوا : رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ فَأَلْقَيْنَا، فَقَالَ: ” إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا أَوْ أَذًى فَمَنْ رَأَى – يَعْنِي – فِي نَعْلِهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا .”

وفي الاقتداء به – صلى الله عليه وسلم – في لبس خاتم الذهب ما روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَانَ يَلْبَسُهُ، فَيَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ، فَصَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الخَاتِمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ» فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ لاَ أَلْبَسُهُ أَبَدًا» فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ . ( البخاري).

ولقد امتدت القدوة والأسوة في حياة النبي- صلى الله عليه وسلم- لتشمل الأطفال والصبيان، فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمر بعمل كان يفعله أولاً، ثم يطلب من الأطفال والصبيان أن يفعلوه كما لاحظوه، فقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- رأى طفلاً يسلخ شاة وما يحسن، فما كان منه -صلى الله عليه وسلم- إلا أن شمَّر عن ساعديه وبدأ بسلخ الشاة أمام الطفل؛ وراح الطفل يتأمل الكيفية ويُعمل عقله في ذلك، فقد أخرج ابن ماجة وابن حبان من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ مَرَّ بِغُلاَمٍ يَسْلُخُ شَاةً ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ “: تَنَحَّ ، حَتَّى أُرِيَكَ فَأَدْخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ ، فَدَحَسَ بِهَا ، حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الإِبِطِ وَقَالَ : يَا غُلاَمُ هَكَذَا فَاسْلُخْ ثُمَّ مَضَى …”.

أختم هذه الصور والمواقف في شدة التأسي والاقتداء به – صلى الله عليه وسلم – بموقف رائع لسيدنا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ؛ فقد روي أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مر على طريق يوماً ثم نزل من فوق ظهر ناقته، وصلى ركعتين، فصنع ابن عمر ذلك إذا جمعه السفر بنفس البقعة والمكان..فَسُئل عن ذلك؟ فقال: رأيت الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك ففعلت!! بل إنه ليذكر أن ناقة الرسول دارت به دورتين في هذا المكان بمكة، قبل أن ينزل الرسول من فوق ظهرها، ويصلي ركعتين، وقد تكون الناقة فعلت ذلك تلقائياً لتهيئ لنفسها مناخها؛ لكن عبدالله بن عمر لا يكاد يبلغ ها المكان يوماً حتى يدور بناقته، ثم ينيخها، ثم يصلي ركعتين لله.. تماماً كما رأى المشهد من قبل مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – !!!

حتى في الأطعمة كانوا يحبون الأطعمة التي يحبها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اقتداءً وتأسياً به صلى الله عليه وسلم !!

فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا وَمَرَقًا، فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ»، قَالَ: «فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ». ( البخاري).

يقول الإمام ابن حجر : ” فيه الحرص على التشبه بأهل الخير والاقتداء بهم في المطاعم وغيرها . وفيه فضيلة ظاهرة لأنس لاقتفائه أثر النبي صلى الله عليه وسلم حتى في الأشياء الجبلية ، وكان يأخذ نفسه باتباعه فيها ، رضي الله عنه .” ( فتح الباري ).

أيها المسلمون: هذا غيض من فيض لصور اقتداء وتأسي الصحابة برسول الله – صلى الله عليه وسلم – في جميع أقوال وأفعاله وأحواله ؛ فعلينا الاقتداء والتأسي به كما سيأتي مفصلاً في عنصرنا التالي إن شاء الله تعالى .

العنصر الثالث: وجوب التأسي والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم

عباد الله: يجب على المسلمين الاقتداء والتأسي بالرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأنه خير قدوة لنا .

قال ذو النون المصري: ” من علامات المحب لله عز وجل متابعة حبيب الله– صلى الله عليه وسلم – في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه “.

ألا ما أحوجنا أن نرجع من جديد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لنسير على دربه، فوالله لا سعادة لنا ولا نجاة في الدنيا والآخرة إلا إذا عدنا من جديد إليه وسرنا على نفس الدرب الذي سار عليه، ورددنا مع السابقين الأولين الصادقين قولتهم الخالدة: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285]. فعن جابر رضي الله عنه أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الوداع يوم عرفة: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ». قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ « اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ». (رواه مسلم).

وهو القائل صلى الله عليه وسلم:  ” عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ؛ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ؛ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ” (رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح).

أحبتي في الله: إن القدوة والأسوة في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم – أبهرت العالم أجمع؛ ولم يكن عجيبًا أن تصنَع تلك الشخصية المتفرِّدة ذاك الأثر الكير في نفوس الصحابة، ليُقدِّموا نجاحات مُبهرة على الصعيد الفردي والجماعي، وفي المجال العملي والعلمي والحضاري والسياسي والعسكري والاجتماعي؛ الأمر الذي جعل ( ليوبولدفايس) يقول عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به: إن العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عمل علي حفظ كيان الإسلام وعلي تقدمه ، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام !!

ويقول الباحث الفرنسي كليمان هوارت : “لم يكن محمداً نبياً عادياً ، بل استحق بجدارة أن يكون خاتم الأنبياء ، لأنه قابل كل الصعاب التي قابلت كل الأنبياء الذين سبقوه مضاعفة من بني قومه … نبي ليس عادياً من يقسم أنه “لو سرقت فاطمة ابنته لقطع يدها” ! ولو أن المسلمين اتخذوا رسولهم قدوة في نشر الدعوة لأصبح العالم مسلماً”

ولقد فطن الغرب إلى أهمية الأسوة والقدوة في بناء الأفراد والأمم والحضارات، واعتبروا هدم القدوة هدماً للحضارة كلها.

يقول أحد المستشرقين: إذا أردت أن تهدم حضارة أمة فهناك وسائل ثلاث هي:

  1. اهدم الأسرة………………. 2. اهدم التعليم………………………..3. أسقط القدوات.

* لكي تهدم الأسرة: عليك بتغييب دور (الأم) اجعلها تخجل من وصفها بـ”ربة بيت”

* ولكي تهدم التعليم: عليك بـ (المعلم) لا تجعل له أهمية في المجتمع وقلل من مكانته حتى يحتقره طلابه.

* ولكي تسقط القدوات: عليك بـ (العلماء والآباء) اطعن فيهم قلل من شأنهم، شكك فيهم حتى لا يسمع لهم ولا يقتدي بهم أحد.

فإذا اختفت (الأم الواعية)، واختفى (المعلم والأب المخلص)، وسقطت (القدوة)؛ فمن يربي النشء على القيم؟!

وإن من ينظر إلى واقعنا المعاصر يجد تناقضا عجيبا بين القول والفعل؛ فكم نقرأ عن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم؟! وكم ندرس فضائل شتى؟! وكم من فرد في المجتمع يسمع في المسجد والإعلام والمحاضرات كلاماً يتأثر به لحظات ثم يتناثر هباءً منثوراً ؛ فيصير الكلام شيئاً والفعل شيئا آخر !!!

وسأحكي لكم قصة تدل على مدى الانفصام والانفصال بين النظرية والتطبيق؛ وإن شئت فقل بين الواقع والمأمول في الجانب الأخلاقي: شاب يعمل في دولة أجنبية، فأعجبته فتاة أجنبية فتقدم لخطبتها وكانت غير مسلمة، فرفض أبوه لأنها غير مسلمة، فأخذ الشاب مجموعة من الكتب تظهر سماحة الإسلام وروحه وأخلاقه ثم أعطاها لها، طمعاً في إسلامها وزواجها، فطلبت منه مهلة شهرين تقرأ الكتب وتتعرف على الإسلام وروحه وأخلاقه وسماحته، وبعد انتهاء المدة تقدم لها فرفضته قائلة: لست أنت الشخص الذي يحمل تلك الصفات التي في الكتب، ولكني أريد شخصاً بهذه الصفات.

ويحزنني قول أحد العلماء المسلمين لما سافر إلى دول الغرب ووجدهم يطبقون تعاليم الإسلام قائلاً: وجدت هناك إسلاماً بلا مسلمين وهنا مسلمين بلا إسلام.

عباد الله: إن الأسوة والقدوة علم وعمل ؛ فيجب على العالِم أو المربي أن يعمل بما يعلم أو يقول، حتى تؤتي القدوة ثمارها، وإلا كانت هباءً منثوراً لا وزن لها ولا تأثير. ولقد ذم الله هؤلاء بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ،كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} ( الصف 2 ، 3).  قال مالك بن دينار رحمه الله ” إن العالم إذا لم يعمل بعمله زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا” ويقول الشاطبي: ” إذا وقع القول بياناً فالفعل شاهد له ومصدق” ؛ فهذا المعلم أو هذا الأساس – القدوة – الذي هو من أهم أسس التربية والذي لن يفيدنا كثيراً إلا بعد أن نراه مطبقاً بالفعل؛ ويفيدنا أكثر أن نراه مطبقاً في أعلى صوره، لأن ذلك سوف يعطينا فكرة عملية عن المدى الذي يمكن أن يبلغ إليه هذا العنصر لنقيس به جهدنا إليه في كل مرة ونحاول المزيد.

 إن حال من مخالف قوله فعله في دعوته وتربيته كحال من قال:

لقد أسمعت لو ناديت حيا……ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نارا نفخت بها أضاءت….. ولكن أنت تنفخ في رماد

إننا يجب أن نكون قدوة لأبنائنا وبناتنا ونسائنا وجميع أفراد مجتمعنا إذا كنا نريد أن نبني مجتمعاً فاضلاً مؤسساً على القيم والفضائل والأخلاق النبوية !! نحتاج جميعاً دون استثناء إلى تفعيل منظومة الأخلاق على أرض الواقع؛ وإلا فلا بناء لمجتمع كما قال أحدهم :

ومتى يبلغ البنيان يوما تمامه……. إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟!!

كيف يحافظ الولد على الصلاة وأبوه لها من المهملين؟!كيف يخف لأداء صلاة الفجر مع الجماعة وأبوه عنها من المتكاسلين؟! متى يتعلم الصدق في القول والوفاء بالوعد، وهو يرى والده يكذب ويخلف؟! متى يعي حرمة الغش ووالده يغش في بيعه وشرائه ومعاملاته؟! ومن هذا الطالب الذي سيكرم جاره، ووالده وجاره متلاحيان متخاصمان؟! وأي طالب سيطبق ما تعلمه عن صلة الرحم، وأبوه مصارم لأخيه مقاطع لبني عمه وأقاربه؟!   لا شك أنه يقلد والده في كل شئ حقاً كان أو باطلاً !!

مَشَـى الطـاووسُ يومـاً باعْـوجاجٍ……..فـقـلدَ شكـلَ مَشيتـهِ بنـوهُ

فقـالَ: عـلامَ تختـالونَ ؟ فقالـوا: ……بـدأْتَ بـه ، ونحـنُ مقلـِـدوهُ

فخـالِفْ سـيركَ المعـوجَّ واعـدلْ ……..فـــإنـا إن عـدلـْتَ معـدلـوه

أمـــــَا تـــــــــدري أبـانـا كـلُّ فــــــرع ٍ……..يجـاري بالخـُطـى مـن أدبـوه؟!

وينشَــأُ ناشـئُ الفتيــانِ منـــــــــــا……….علـى ما كـان عـوَّدَه أبـــوه

عباد الله: القدوة القدوة تفلحوا ؛ القدوة القدوة تنجحوا؛ القدوة القدوة تغتنوا؛ القدوة القدوة تعتلوا؛ القدوة القدوة تسودوا ؛ القدوة القدوة تقودوا؛ القدوة القدوة تعمروا ؛ القدوة القدوة القدوة…….

اللهم اجعلنا هداة مهديين لا ضالين ولا مضلين،،،،،،،،

  الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،،

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

شارك الخبر علي صفحات التواصل الإجتماعي
ads motabeq

عن admin